الشيخ محمد رشيد رضا

399

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وجملة القول أن أكثر من روى عنه شئ في الآية من السلف أوجبوا رزق من حضر قسمة الميراث والوصية ممن ذكرتهم الآية عملا بظاهر الأمر وهو يعم كل ما قيل ولكن بعضهم قال انما يرزقون من مال الكبير وبعضهم قال لا فرق بين كبير وصغير ثم قال تعالى وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً قال الأستاذ الامام : في الآية وجهان ، أحدهما أن المطالبين بالقول السديد في هذه الآية هم المطالبون بالقول المعروف في الآية التي قبلها فتكون هذه الآية معللة للأمر بالقول المعروف في تلك متصلة بها مباشرة . ذلك أنه يجوز أن ينهى بعض حاضري القسمة عن رزق اليتامى والمساكين الذين يحضرونها وهذا يكثر في الناس لا سيما إذا كان الورثة من الأغنياء الوجهاء فان الناس يتحببون إليهم بما يوهم الغيرة على أموالهم . فان اللّه تعالى يذكر هؤلاء الذين يحولون دون عمل البر بأن يخافوا اللّه أن يتركوا بعد موتهم ورثة ضعفاء يحتاجون ما يحتاجه حاضروا القسمة وطالبوا البر من اليتامى والمساكين فيعاملوا بالحرمان والقسوة - فهو يرشدهم إلى معاملة هؤلاء الضعفاء بمثل ما يحبون أن تعامل به ذريتهم إذا تركوهم ضعافا والوجه الثاني : ان الخطاب للأوصياء والأولياء الذين يقومون على اليتامى فهو بعد الوصية بحفظ أموالهم وحسن تربيتهم بابتلائهم واختبارهم بالعمل ليعرف رشدهم أمرهم باحسان القول لهم أيضا فان اليتيم يجرحه أقل قول يهين لا سيما ذكر أبيه وأمه بسوء . وقد جرت العادة بتساهل الناس في مثل هذه الأقوال وان كانوا عدولا حافظين للأموال محسنين في المعاملة ، فقلما يوجد يتيم في بيت الا ويمتهن ويقهر بالسوء من القول وذكر والديه بما يشينهما ولذلك ورد التأكيد بالوصية باليتامى في الكتاب والسنة أقول : وللمفسرين في الآية أقوال أخر ، وقد اختار ابن جرير منها - لاختياره أن ما قبلها في قسمة الوصايا - انها في الذين يحضرون موصيا يوصى في ماله ويكون له ذرية ضعفاء ، فاللّه تعالى يأمر هؤلاء أن يخافوا على ذرية هذا الرجل مثل ما يخافون على ذريتهم لو تركوا ذرية ضعافا فلا يقولوا في الوصية ما يمكن أن يضر بذرية الموصى كالترغيب في تكثير الوصية للعرباء بل يقولوا قولا سديدا بأن يرغبوه فيما يرضون مثله لأنفسهم